فصل: تفسير الآية رقم (10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (5):

{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)}
{رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لا تسلطهم علينا فيسبوننا ويعذبوننا قاله ابن عباس فالفتنة مصدر عنى المفتون أي المعذب من فتن الفضة إذا أذابها فكأنه قيل: ربنا لا تجعلنا معذبين للذين كفروا، وقال مجاهد: أي لا تعذبنا بأيديهم، أو بعذاب من عندك فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون فيفتنوا لذلك.
وقال قريبًا منه قتادة. وأبو مجلز، والأول أرجح، ولم تعطف هذه الجملة الدعائية على التي قبلها سلوكًا بهما مسلك الجمل المعدودة، وكذا الجملة الآتية، وقيل: إن هذه الجملة بدل مما قبلها، ورد بعدم اتحاد المعنيين كلًا وجزءًا ولا مناسبة بينهما سوى الدعاء {واغفر لَنَا} ما فرط منا {رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ العزيز} الغالب الذي لا يذل من التجأ إليه؛ ولا يخيب رجاء من توكل عليه {الحكيم} الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة.

.تفسير الآية رقم (6):

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)}
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ} أي في إبراهيم عليه السلام ومن معه {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الكلام فيه نحو ما تقدم، وقوله تعالى: {لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الاخر} أي ثوابه تعالى أو لقاءه سبحانه ونعيم الآخرة أو أيام الله تعالى واليوم الآخر خصوصًا، والرجاء يحتمل الأمل والخوف صلة لحسنة أو صفة، وجوز كونه بدلًا من {لَكُمْ} بناءًا على ما ذهب إليه الأخفش من جواز أن يبدل الظاهر من ضمير المخاطب وكذا من ضمير المتكلم بدل الكل كما يجوز أن يبدل من ضمير الغائب، وأن يبدل من الكل بدل البعض. وبدل الاشتمال. وبدل الغلط.
ونقل جواز ذلك الإبدال عن سيبويه أيضًا، والجمهور على منعه وتخصيص الجواز ببدل البعض. والاشتمال. والغليط.
وذكر بعض الأجلة أنه لا خلاف في جواز أن يبدل من ضمير المخاطب بدل الكل فيما يفيد إحاطة كما في قوله تعالى: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا} [المائدة: 114] وجعل ما هنا من ذلك وفيه خفاء، وجملة {لَقَدْ كَانَ} إلخ قيل: تكرير لما تقدم من المبالغة في الحث على الائتساء بإبراهيم عليه السلام ومن معه، ولذلك صدرت بالقسم وهو على ما قال الخفاجي: إن لم ينظر لقوله تعالى: {إِذْ قَالُواْ} [الممتحنة: 4] فإنه قيد مخصص فإن نظر له كان ذلك تعميمًا بعد تخصيص، وهو مأخوذ من كلام الطيبي في تحقيق أمر هذا التكرير.
والظاهر أن هذا مقيد بنحو ما تقدم كأنه قيل: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة إذ قالوا إلخ، وفي قوله سبحانه: {لّمَن كَانَ} إلخ إشارة إلى أن من كان يرجو الله تعالى واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم وإن تركه من مخايل عدم رجاء الله سبحانه واليوم الآخر الذي هو من شأن الكفرة بل مما يؤذن بالكفر كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد} فإنه مما يوعد بأمثاله الكفرة.

.تفسير الآية رقم (7):

{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)}
{عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم} أي من أقاربكم المشركين {مَّوَدَّةَ} بأن يوافقوكم في الدين، وعدهم الله تعالى بذلك لما رأى منهم التصلب في الدين والتشدد في معاداة آبائهم وأبنائهم وسائر أقربائهم ومقاطعتهم إياهم بالكلية تطييبًا لقولهم، ولقد أنجز الله سبحانه وعده الكريم حين أتاح لهم الفتح فأسلم قومهم فتم بينهم من التحابّ والتصافي ما تم، ويدخل في ذلك أبو سفيان وأضرابه من مسلمة الفتح من أقاربهم المشركين.
وأخرج عبد بن حميد. وابن المنذر. وابن عدي. وابن مرديوه. والبيهقي في الدلائل. وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كانت المودة التي جعل الله تعالى بينهم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين، وأنت تعلم أن تزوجها كان وقت هجرة الحبشة، ونزول هذه الآيات سنة ست من الهجرة فما ذكر لا يكاد يصح بظاهره، وفي ثبوته عن ابن عباس مقال: {والله قَدِيرٌ} مبالغ في القدرة فيقدر سبحانه على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة {والله غَفُورٌ} مبالغ في المغفرة فيغفر جل شأنه لما فرط منكم في موالاتهم {رَّحِيمٌ} مبالغ في الرحمة فيرحمكم عز وجل بضم الشمل واستحالة الخيانة ثقة وانقلاب المقت مقة، وقيل: يغفر سبحانه لمن أسلم من المشركين ويرحمهم، والأول أفيد وأنسب بالمقام.

.تفسير الآية رقم (8):

{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)}
{لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ} أي لا ينهاكم سبحانه وتعالى عن البر بهؤلاء كما يقتضيه كون {أَن تَبَرُّوهُمْ} بدل اشتمال من الموصول {وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ} أي تفضوا إليهم بالقسط أي العدل، فالفعل مضمن معنى الإفضاء ولذا عدي بإلى {إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} أي العادلين.
أخرج البخاري. وغيره عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: أتتني أمي راغبة وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فأنزل الله تعالى: {لاَّ ينهاكم الله} إلخ، فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم صلي أمك» وفي رواية الإمام أحمد. وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: صناب. وأقط. وسمن وهي مشركة فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها حتى أرسلت إلى عائشة رضي الله تعالى عنها أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فسألته فأنزل الله تعالى: {لاَّ ينهاكم الله} الآية فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها.
وقتيلة هذه على ما في التحرير كانت امرأة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فطلقها في الجاهلية وهي أم أسماء حقيقة، وعن ابن عطية أنها خالتها وسمتها أمًا مجازًا، والأول هو المعول عليه، وقال الحسن. وأبو صالح: نزلت الآية في خزاعة. وبني الحرث بن كعب. وكنانة. ومزينة. وقبائل من العرب كانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه، وقال قرة الهمداني. وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس.
وعن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في النساء والصبيان من الكفرة، وقال مجاهد: في قوم كة آمنوا ولم يهاجروا فكان المهاجرون والأنصار يتحرجون من برهم لتركهم فرض الهجرة، وقيل: في مؤمنين من أهل مكة وغيرها أقاموا بين الكفرة وتركوا الهجرة أي مع القدرة عليها وقال النحاس. والثعلبي: نزلت في المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة، والأكثرون على أنها في كفرة اتصفوا بما في حيز الصلة، وعلى ذلك قال الكيا: فيها دليل على جواز التصدق على أهل الذمة دون أهل الحرب وعلى وجوب النفقة للأب الذمي دون الحربي لوجوب قتله، ويخطر لي أني رأيت في الفتاوى الحديثية لابن حجر عليه الرحمة الاستدلال بها على جواز القيام لأهل الذمة لأنه من البر والإحسان إليهم ولم ننه عنه، لكن راجعت تلك الفتاوى عند كتابتي هذا البحث فلم أظفر بذلك، ومع هذا وجدته نقل في آخر الفتاوى الكبرى في باب السير عن العز بن عبد السلام أنه لا يفعل القيام لكافر لأنا مأمورون بإهانته وإظهار صغاره فإن خيف من شره ضرر عظيم جاز لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز للإكراه فهذا أولى، ولم يتعقبه بشيء، ثم إن في كون القيام من البر مطلقًا ترددًا، وتخصيص العز جواز القيام للكافر بما إذا خيف ضرر عظيم مخالف لقول ابن وهبان من الحنفية:
وللميل أو للمال يخدم كافر ** وللميل للإسلام لو قام يغفر

ومن الناس من يجعل كل مصلحة دينية كالميل للإسلام لكن بشرط أن لا يقصد القائم تعظيمًا، والله تعالى أعلم، ونقل الخفاجي عن الدر المنثور أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {اقتلوا المشركين} [التوبة: 5] الآية، والاستدلال بها على ما سمعت بتقدير عدم النسخ إن تم إنما يتم على بعض الأقوال فيها.

.تفسير الآية رقم (9):

{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)}
{إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم فِي الدين وَأَخْرَجُوكُم مّن دياركم وظاهروا على إخراجكم} كمشركي مكة، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين. وبعضهم أعانوا المخرجين {أَن تَوَلَّوْهُمْ} بدل من الموصول بدل اشتمال أيضًا أي إنما ينهاكم سبحانه عن أن تتولوهم {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} لوضعهم الولاية موضع العداوة؛ أو هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب، وفي الحصر من المبالغة ما لا يخفى.

.تفسير الآية رقم (10):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)}
{يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ} بيان لحكم من يظهر الإيمان بعد بيان حكم فريقي الكافرين {إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات} أي بحسب الظاهر {مهاجرات} من بين الكفار، وقرئ {مهاجرات} بالرفع على البدل من {المؤمنات} فكأنه قيل: إذا جاءكم {مهاجرات} {فامتحنوهن} فاختبروهن بما يغلب. على ظنكم موافقة قلوبهم لألسنتهن في الإيمان.
أخرج ابن المنذر. والطبراني في الكبير. وابن مردويه بسند حسن. وجماعة عن ابن عباس أنه قال في كيفية امتحانهن: كانت المرأة إذا جاءت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر رضي الله تعالى عنه بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض. وبالله ما خرجت من بغض زوج. وبالله ما خرجت التماس دنيا. وبالله ما خرجت إلا حبًا لله ورسوله، وفي رواية عنه أيضًا كانت محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب فقال: قل لهن إن رسول الله عليه الصلاة والسلام بايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا إلخ {الله أَعْلَمُ} من كل أحد أو منكم {بإيمانهن} فإنه سبحانه هو المطلع على ما في قلوبهن، والجملة اعتراض {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ} أي ظننتموهن ظنًا قويًا يشبه العلم بعد الامتحان {مؤمنات} في نفس الأمر {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار} أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله تعالى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فإنه تعليل للنهي عن رجعهن إليهم، والجملة الأولى: لبيان الفرقة الثابتة وتحقق زوال النكاح الأول، والثانية: لبيان امتناع ما يستأنف ويستقبل من النكاح، ويشعر بذلك التعبير بالاسم في الأولى والفعل في الثانية.
وقال الطيبي في وجه اختلاف التعبيرين: إنه أسندت الصفة المشبهة إلى ضمير المؤمنات في الجملة الأولى إعلامًا بأن هذا الحكم يعني نفي الحل ثابت فيهن لا يجوز فيه الإخلال والتغيير من جانبهن، وأسند الفعل إلى ضمير الكفار إيذانًا بأن ذلك الحكم مستمر الامتناع في الأزمنة المستقبلة لكنه قابل للتغيير باستبدال الهدى بالضلال، وجوز أن يكون ذلك تكريرًا للتأكيد والمبالغة في الحرمة وقطع العلاقة، وفيه من أنواع البديع ما سماه بعضهم بالعكس والتبديل كالذي في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187] ولعل الأول أولى، واستدل بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما في الانتصاف، والقول: بأن المخاطب في حق المؤمنة هي. وفي حق الكافر الأئمة عنى أنهم مخاطبون بأن يمنعوا ذلك الفعل من الوقوع لا يخفى حاله، وقرأ طلحة لا هن يحللن لهم.
{وَءاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ} أي وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور قيل: وجوبًا، وقيل: ندبًا، روى أنه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أمر عليًا كرم الله تعالى وجهه أن يكتب بالصلح فكتب: باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين تأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض على أن من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشًا من محمد لم يردّوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأن لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جندل بن سهيل ولم يأت رسول الله عليه الصلاة والسلام أحد من الرجال إلا رده في مدّة العهد وإن كان مسلمًا، ثم جاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أول المهاجرات، فخرج أخواها عمار.
والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه في أمرها ليردها عليه الصلاة والسلام إلى قريش فنزلت الآية فلم يردّها عليه الصلاة والسلام ثم أنكحها صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه جاءت امرأة تسمى سبيعة بنت الحرث الأسلمية مؤمنة، وكانت تحت صيفي بن الراهب وهو مشرك من أهل مكة فطلبوا ردها فأنزل الله تعالى الآية، وروي أنها كانت تحت مسافر المخزومي وأنه أعطى ما أنفق، وتزوجها عمر رضي الله تعالى عنه، وفي رواية أنها نزلت في أميمة بنت بشر امرأة من بني عمرو بن عون كانت تحت أبي حسان بن الدحداحة هاجرت مؤمنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا ردّها فنزلت الآية فلم يردها عليه الصلاة والسلام، وتزوجها سهيل بن صيف فولدت له عبد الله بن سهيل، ولعل سبب النزول متعدد وأيًّا مّا كان فالآية على ما قيل: نزلت بيانًا لأن الشرط في كتاب المصالحة إنما كان في الرجال دون النساء، وتراخي المخصص عن العام جائز عند الجبائي ومن وافقه، ونسب للزمخشري أن ذلك من تأخير بيان المجمل لأنه لا يقول بعموم تلك الألفاظ بل يجعلها مطلقات، والحمل على العموم والخصوص بحسب المقام، والحنفية يجوزونه لا يقال: إنه شبه التأخير عن وقت الحاجة وهو غير جائز عند الجميع لأن وقت الحاجة أي العمل بالخطاب كان بعد مجيء المهاجرات وطلب ردهن لا حين جرت المهادنة مع قريش، وهذا ما ذهب إليه بعض الشافعية أيضًا، ومنهم من زعم أن التعميم كان منه صلى الله عليه وسلم عن اجتهاد أثيب عليه بأجر واحد ولم يقر عليه، ومنهم من وافق جمهور الحنفية على النسخ لا التخصيص، فمن جوز منهم نسخ السنة بالكتاب قال: نسخ بالآية، ومن لم يجوز قال: بالسنة أي امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرد ووردت الآية مقررة لفعله عليه الصلاة والسلام.
وعن الضحاك كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك، وعليه فالآية موافقة لما وقع عليه العهد لكن أخرج أبو داود في ناسخه. وابن جرير. وغيرهما عن قتادة أنه نسخ هذا العهد وهذا الحكم يعني إيتاء الأزواج ما أنفقوا براءة، أما نسخ العهد فلما أمر فيها من النبذ، وأما نسخ الحكم فلأن الحكم فرع العهد فإذا نسخ نسخ، والذي عليه معظم الشافعية أن الغرامة لأزواجهن غير ثابتة، وبين ذلك في الكشف على القول بنسخ رد المرأة، والقول بالتخصيص، والقول: بأن التعميم كان عن اجتهاد لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وأما على قول الضحاك أي السابق فهو مشكل، ووجهه أنه حكم في مخصوصين فلا يعم غير تلك الوقعة على أنه عز وجل خص الحكم بالمهاجرين ولم يبق بعد الفتح هجرة كما ثبت في الصحيح فلا يبقى الحكم {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي في نكاحهن حيث حال إسلامهن بينهن وبين أزواجهن الكفار {إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي وقت إيتائكم إياهن مهورهن فإذا لمجرد الظرفية، ويجوز كونها شرطية وجوابها مقدر بدليل ما قبل، وعلى التقديرين يفهم اشتراط إيتاء المهور في نفي الجناح في نكاحهن، وليس المراد بإيتاء الأجور إعطاءها بالفعل بل التزامها والتعهد بها، وظاهر هذا مع ما تقدم من قوله تعالى: {ياأيها الذين ءامَنُواْ} أن هناك إيتاء إلى الأزواج وإيتاء إليهن فلا يقوم ما أوتي إلى الأزواج مقام مهورهن بل لابد مع ذلك من إصداقهن، وقيل: لا يخلو إما أن يراد بالأجور ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزويجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهن على سبيل القرض ثم تزوجن على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن يبين إليهم أن ما أعطي لأزواجهن لا يقوم مقام المهر، وهذا ما ذكرناه أولًا من الظاهر وهو الأصح في الحكم، والوجهان الآخران ضعيفان فقهًا ولفظًا.
واحتج أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلمًا أو بذمة وبقي الآخر حربيًا وقعت الفرقة. ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها من غير عدة إلا أن تكون حاملًا، وهذا للحديث المشهور الذي تجوز ثله الزيادة على النص:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره» ومذهب الشافعي على ما قيل: إنه لا تقع الفرقة إلا بإسلامها، وأما جرد الخروج فلا فان أسلمت قبل الدخول تنجزت الفرقة وبعد الدخول توقفت إلى انقضاء العدة، وتعقب الاحتجاج بأن الآية لا تدل على مجموع ما ذكر، نعم قد احتج بها على عدم العدة في الفرقة بخروج المرأة إلينا من دار الحرب مسلمة، ووجه بأنه سبحانه نفى الجناح من كل وجه في نكاح المهاجرات بعد إيتاء المهر، ولم يقيد جل شأنه ضي العدة فلولا أن الفرقة جرد الوصول إلى دار الإسلام لكان الجناح ثابتًا، ومع هذا فقد قيل: الجواب على أصل الشافعية أن رفع الإطلاق ليس بنسخ ظاهر لأن عدم التعرض ليس تعرضًا للعدم، وأما على أصل الحنفية فكسائر الموانع، وكونها حاملًا بالاتفاق فتأمل {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر} جمع كافرة، وجمع فاعلة على فواعل مطرد وهو وصف جماعة الإناث، وقال الكرخي: {الكوافر} يشمل الإناث والذكور، فقال له الفارسي: النحويون لا يرون هذا إلا في الإناث جمع كافرة، فقال: أليس يقال: طائفة كافرة وفرقة كافرة، قال الفارسي: فبهت، وفيه أنه لا يقال: كافرة في وصف الذكور إلا تابعًا للموصوف، أو يكون محذوفًا مرادًا أما بغير ذلك فلا تجمع فاعلة على فواعل إلا ويكون للمؤنث قاله أبو حيان، وعصم جمع عصمة وهي ما يعتصم به من عقد وسبب، والمراد نهي المؤمنين عن أن يكون بينهم وبين الزوجات المشركات الباقية في دار الحرب علقة من علق الزوجية أصلًا حتى لا يمنع إحداهن نكاح خامسة أو نكاح أختها في العدة بناءًا على أنه لا عدة لهن؛ قال ابن عباس: من كانت له امرأة كافرة كة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه، وأخرج سعيد بن منصور. وابن المنذر عن إبراهيم النخعي أنه قال: نزل قوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ} إلخ في المرأة من المسلمين تلحق بالمشركين فلا يمسك زوجها بعصمتها قد برئ منها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد. وسعيد بن جبير نحوه، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه قال: أمرهم سبحانه بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن، ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه طلق لذلك امرأته فاطمة أخت أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وامرأته كلثوم بنت جرول الخزاعي فتزوجها أبو جهم بن حذيفة العدوي، وكذا طلق طلحة زوجته أروى بنت ربيعة، وتعقب ذلك بأنه بظاهره مخالف لمذهب الحنفية. والشافعية، أما عند الحنفية فلأن الفرقة بنفس الوصول إلى دار الإسلام، وأما عند الشافعية فلأن الطلاق موقوف إن جمعتهما العدة تبين وقوعه من حيث اللفظ، وإلا فالبينونة بواسطة بقاء المرأة في الكفر، فظاهر الآية لا يدل على ما في هذه الرواية، وقرأ أبو عمرو.
ومجاهد بخلاف عنه. وابن جبير. والحسن. والأعرج {تُمْسِكُواْ} مضارع مسك مشددًا، والحسن أيضًا. وابن أبي ليلى. وابن عامر في رواية عبد الحميد. وأبو عمرو في رواية معاذ {تُمْسِكُواْ} مضارع تمسك محذوف إحدى التاءين، والأصل تتمسكوا.
وقرأ الحسن أيضًا {تُمْسِكُواْ} بكسر السين مضارع مسك ثلاثيًا {قُلْ مَا أَنفَقْتُم} أي واسألوا الكفار مهور نسائكم اللاحقات بهم {وَلْيَسْئَلُواْ مَا أَنفَقُواْ} أي وليسألكم الكفار مهور نسائهم المهاجرات إليكم، وظاهره أمر الكفار، وهو من باب {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123] فهو أمر للمؤمنين بالأداء مجازًا، وقيل: المراد التسوية {ذلكم} الذي ذكر {حُكْمُ الله} أي فاتبعوه، وقوله عز وجل: {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} كلام مستأنف أو حال من {حُكْمُ} بحذف الضمير العائد إليه، وهو مفعول مطلق أي يحكمه الله تعالى بينكم، أو العائد إليه الضمير المستتر في {يُحْكِمُ} بجعل الحكم حاكمًا مبالغة كأن الحكم لقوته وظهوره غير محتاج لحاكم آخر {والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة، روي أنه لما تقرر هذا الحكم أدى المؤمنون مما أمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئًا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المؤمنين فنزل قوله تعالى: